سَمير جعجع
يتذكَّر
حروب الْجمهورية الأولى
[ مقدَّمة ]
تذهب الْحرب و يبقى الْمحاربون . يذهبون الى
سلام لا يعكس انتصاراتِهم و لا يُبنى على هزيْمتهم . سلام يتَّسع
لَهُم دون أن يُشبههم . سلام يصلح لَهُم، فهل يصلح الْمحاربون
للسلام ؟
تذهب الحرب و يبقى الْمُحاربون. فماذا يفعل
السَّلام بِهم ؟ و هل يُبنى بِحطامهم وحُطام حروبِهم؟ بالذَّاكرة
الْمُثقلة والْخَيبات، أَم بالْمراجعة و الرُّجوع الى الثَّوابت
و جاذبية النَّموذج الشرعي؟
إنَّها كيمياء الْمُعادلة اللُّبنانية . لا
تتَّسع لوهج الانتصارات الكاملة . و لا تتَّسع لِمرارات الْهزائم
السَّاحقة . إنَّها هذا الْمزيج من الثَّوابت، مع الاعتراف
بالْمُتغيِّرات.لقاء بين الواقعيَّة و شيء من الأمر الواقع .
تنتهي الحرب و تبقى حاضرة في الْمُحاربين .
في ذاكرة الأَيَّام الرَّاعبة و الدَّم الْمتروك على الْمتاريس .
في مشاعر من ذهبوا الى النَّار و عادوا . و في ذكرى من أكلتهم
النَّار وحوَّلتهم الى صور على الْحيطان يهجرها الشتاء كلَّما
تكرَّر، و إلى حَرقة في قلوب أُمَّهات ينتظرن أولئك الَّذين لن
يرجعوا أبدا .
جاء الْمُحاربون من الْمأساة، ومدَّدوا
إقامتهم . جاءوا من الخوف الكبير، أو من وَهْم الانتصار الكامل .
توزَّعوا على الْمتاريس، و استدرجتهم دَوْرة الْموت . قاتلوا و
اقتتلوا و قتلوا . أحبُّوا بعض الْمدينة ضدَّ بعضها الآخر . و
عشقوا شارعا ضدَّ الشارع الْمُجاور سقطوا دفاعا عن شبر أو
شرفة أو بناية . دافعوا عن الحدود الجديدة , و تناسَوا الحدود .
و لكنَّ الأوطان لا تُبنى بالعشق النَّاقص . تتطابق مشاعرك مع
خريطة الوطن أو تتحوَّل فيه قاتلا و قتيلا .
ليسوا غرباء أبدا . و لم تسقطهم الْمظلاَّت .
طلعوا من التاريخ الرجراج و صعوبات الجغرافيا. ذهبوا الى حروبِهم
و انزلقوا الى حروب أُخرى . الى حروب أكبر منهم . قاتلوا و
اقتتلوا و قتلوا .
لا يُصنع السلام ضدَّهم . يحتاج الغد الى
دمهم الْحار . قبل أن يتحوَّلوا الى مأساة في الوطن كانوا مجرَّد
أبناء لِمأساة دولة و وطن . ألَم يقتلهم الكبار أوَّلا حين
أورثوهم دولة عاجزة لا تستحق التسمية؟ دولة لم تذهب الى الحرب
على حدودها، فاندلعت الحرب بين ضلوعها . دولة تنازلت وتنازلت،
فصار الوطن ساحة في قاموس بنيه، وقواميس الآخرين. وما جدوى
الحديث عمَّا ارتكبوه هنا وهناك؟ أوَ ليست الْجريْمة الكُبرى هي
الانْهيار الكبير الذي لَم يصنعوه، والذي سهَّل لِلمخاوِف وصيحات
الثأر أن تخرجهم من مقاعد الدِّراسة الى الثياب الخضراء وحروب
الدفاع والانتصار والانتحار ؟
تذهب الحرب . لكنَّ السلام لا يبنى بالنسيان،
و لا باعتبار الحرب حادثا عابرا مهما كان فظيعا .
وأوَّل الحرب الجديدة هو تجاهل أسباب الحرب
السابقة، و تصويرها و كأنَّها شبيهة بخروج قطار عن خطِّه وأنَّه
تكفي إعادة العربات الى الخطّ ليرجع السلام . قبل عام حين أبرم
البرلَمانيُّون اللبنانيون اتِّفاق الطائف في تلاقٍ للإرادة
اللُّبنانية مع قرار عربيّ و دوليّ بإحياء الْمُؤسَّسات
الشرعيَّة في لبنان، شعرت بأنَّ الحرب انتهت أو تكاد، وأنَّ أيَّ
حروب جديدة لن تكون أكثر من حروب الساعة الأخيرة . و تساءلتُ
عمَّا سيقوله أيُّ لبنانيّ لأطفاله حين تنكفِئ الْمدافع الى
الْحُفر، ويأكل الصَّدأ بنادق القنَّاصة .
وكصحافيّ شعرت بأنَّ بدايات السلام تُتيح
فرصة كتابة قصَّة الحرب . و السَّلام يبدأ بالرجوع من الحرب و
التراجع عن أوهامها، أي بالقراءة العقلانية الْهادئة، و هي
الضمانة لعدم الوقوع مجدَّدا في مَنطقها الْمجنون.
كُتب الكثير في هذه الحرب و عنها . لكنَّ
معظمه كتب على نار حامية أو من هذا الجانب أو ذاك من خطوط التماس
. و كتب الكثير بِمنطق الحرب و قاموس الحرب، فبرَّر ارتكاباتِها
وصفَّق لِمجازرها . وتساءلتُ في نفسي لِماذا لا نُحاول
تنشيط ذاكرة كبار اللاعبين وكبار الْمُحاربين ليكتبوا بأنفسهم
تاريخهم وتاريخ الحرب . و كنت أُدرك سلفًا أنَّ في رواية كلِّ
واحد منهم ما يَحتاج إلى التدقيق أو التصويب وأنَّ الصورة لا
تكتمل إلاَّ بتعدُّد الروايات و الأصوات و المواقع . و هكذا
بدأنا محاولة قراءة قصَّة الجمهورية الْمُقيمة على خطِّ الزلازل،
وابتداء من الأحداث الحارَّة التي أَعقبت إبرام الاتفاق، أي من
حروب الشرقية وعلاقتها بِمصير الجمهورية .
لِماذا سمير جعجع ؟
عندما توصَّل البرلَمانيُّون اللُّبنانيون
إلى اتفاقهم في الطائف، و غاب العماد ميشال عون عن اللقاء
الأَخير، قال لي رئيس سابق للحكومة : من الآن فصاعدا راقب سَمير
جعجع . سألته عن السبب , فأجاب : يبدو أنَّه أدرك حجم القرار
العربِيّ و الدُّوليّ . فقلت له : و العماد عون ؟فأجاب: آمل أن
لا يُحاول اعتراض القطار . و عندما انتُخب الرئيس الراحل رينيه
معوَّض رئيسًا للجمهورية في 5 نوفمبر (تشرين الثانِي)، قال لي
سياسيٌّ لبنانِيٌّ في باريس إنَّ جعجع حاول عبثًا إقناع الجنرال
بترك القصر للرئيس الْمُنتخب . وعندما اندلعت حرب الشرقية في 31
يناير (كانون الثانِي) الْماضي، بدا واضحا أنَّ " القوَّات
اللبنانية " التي يتزعَّمها الدكتور سَمير جعجع اختارت السَّير
في اتفاق الطائف , وأنَّ العماد عون يُحاول " معالجة الاختراق "
. وقد تأكَّد ذلك لاحقًا، فبدأ الحوار بين " القوَّات " و دمشق،
ووافقت " القوَّات " على الانسحاب من بيروت الكبرى . وها هي
الشرعية اللبنانية تستعدُّ لإشراك قادة الْميليشيات الثلاث
الكبرى في الحكومة الوفاقية، أو على الأقل من يُمثِّلهم .
وتساءلتُ في نفسي عن السبب الذي دفع هذا
الرجل الذي شارك في كلِّ حروب الشرقية و الجمهورية الى اتِّخاذ
قرار السلام الصعب .
ولَم تكن تربطني بالدكتور جعجع علاقة سابقة .
و عندما اتصلتُ بأحد الأَصدقاء لترتيب الْمَوعد بسبب تعذُّر
الاتصالات الْهاتفيَّة بين لندن و بيروت، تَمنَّيت عليه أن يسأل
الدكتور جعجع إذا كان الظَّرف يسمح بطرح كلِّ الأسئلة بلا
استثناء . و حين جاء الرد بالإيْجاب، توجَّهت إلى مقر القيادة
الْمؤقت في غدراس، وراح الحكيم يتذكَّر .
حوار طويل امتدَّ ساعات وساعات، تَخلَّلته
اختلافات في وجهات النَّظر حول تَحديد الكلمات و تسمية الأحداث .
حملتُ إلى الدكتور جعجع اتِّهامات خصومه له، و هي كثيرة و هم كثر
. و أجاب عنها بلا تردُّد . فكان هذا الْملف .
تَحدَّث عن " عملية إهدن " و عن " حرب الجبل
" و عن " انتفاضة 12 آذار " و " الاتفاق الثلاثي" واللَّيلة
الأخيرة من عهد الرئيس أمين الجميِّل " و " حرب الشرقية "
. و في نِهاية الحوارات الطويلة سألته: هل ستأخذون أنتم و الوزير
جنبلاط و الوزير نبيه برِّي الدَّبابات معكم إلى مجلس الوزراء ؟
و هل يصلح الْمُحاربون للسلام ؟ فأجاب : السلام يكون بين
الْمُتحاربين، وهم الأكثر شوقًا إليه . و سألته عن مقدار تأييده
للشرعية ؟ فأجاب : مِئة في الْمِئة، وكلَّما سارت مترًا سرنا
أمتارا.
وعن اتفاق الطائف قال : إنَّنا ملتزمون به
تَمامًا، ونطالب بتطبيقه حرفيًّا، لأنَّ تطبيقه يضمن عدم تَجدُّد
العنف. .
وماذا لو حصلت خلافات؟
فأجاب : نَحلُّها بالحوار، فالْمدفع لا يَحلُّ
الْمُشكلة.
حان وقت كشف
الْحقائق وأَعرف مَن أطلق كلَّ رصاصة
لا يُراودنِي شعور بأنَّني
رجل سيِّئ الْحظّ. على الْعكس تَمامًا. ربَّما كانت الْمرحلة هي
مرحلة سوء الْحظّ العام. إنَّها أجواء عسكريَّة وعنيفة. أجواء
تفتيت وتقاتُل. البلاد بأسرها غرقت في هذا الْمناخ الَّذي يفرض
مُستلزمات مُعيَّنة على العاملين في الْحقل العام. كُلُّنا نعيش
في هذا الإطار، وكأنَّ الْحرب لَم تقع، أو كأنَّها غير موجودة.
وَحدهم الَّذين استقالوا من مصير الوطن ومصير النَّاس يُمكنهم
القَول إنَّهم يعيشون خارج هذه الدَّورة العنيفة. لكن ماذا يفعل
هؤلاء، وماذا باستطاعتهم أن يُقدِّموا؟ مُجرَّد استعراض بسيط
للأسْماء الَّتي طُرحت على السَّاحة اللُّبنانيَّة على مدى خمسة
عشر عامًا تُظهر تَمامًا أنَّ كُلَّ اسْم اقترن بِحدث عسكريّ أو
بِعُنف مُعيَّن، أو بأحداث دوليَّة، باستثناء الَّذين لَم يفعلوا
شيئًا. والأمثال كثيرة في هذا السِّياق. من كمال جنبلاط، إلى
سليمان فرنجيَّة، ومن كميل شَمعون، إلى بيار الْجميِّل. صحيح
أنَّني بَدوت كرجل عسكريّ، واقترن اسْمي بأحداث عسكريَّة، لكن
كميل شَمعون كان رجلاً عسكريًّا، وبيار الْجميِّل أيضًا، وسليمان
فرنْجيِّة. وأكثر من ذلك، ثمَّة مؤسَّسات دينيَّة ارتبط اسْمها
خلال الأحداث بأعمال عسكريَّة وعنيفة، وحتَّى أسْماء شخصيَّات
فِكريَّة وأدبيَّة ارتبطت بِمثل هذه الأحداث.
في حرب كهذه الْحرب
الطَّويلة تُحدِّد نتائجُها مصير دولة ومصير شعب، لا تستطيع
الوقوف علىالشُّرفة والتَّحديق إلى بلادك وهي تَحترق. وليس من
حقِّك بالتَّأكيد أن تُتابع من بعيد عبر الْمنظار. رُبَّما من
السَّهل أن تَتغنَّى بِشعار أنَّك ضدّ الْحرب، لكن هل تَقبل أن
يصنع الْمُحاربون لك وطنًا لا يُشبه الْمُواصفات الَّتي لا بُدَّ
من تَوافرها في الوطن والدَّولة؟
مُجرَّد وجودك على هذه
الأرض يَجعلك جزءً ا من هذا الصِّراع. وهذا الإطار العُنفِيّ لا
يَترك لك خَيارات كثيرة. ولكي تُنهي الْحرب يَجب أن تَكون
قوِيًّا، ولكي لا يكون السَّلام ضدَّك يَجب أن تكون مُشاركًا في
صُنعه.
للأَسف، وفي كثير من
الأَوقات، نَكتفي بالْحُكم على ظواهر الأُمور، ولا نُكلِّف
أنفُسنا عناء الغَوص في أعماقها لاستشراف طبيعتها الْحقيقيَّة،
ولِهذا نُخطِئ كثيرا. ولِلأَسف أيضًا، وعلى رُغم مرارات
الدُّروس الَّتي أكَّدتْها الْحرب، لَم نَستطِع، بعدُ، امتلاك
هذه الرُّوح النَّقديَّة الَّتي تُساعدنا على تَخطِّي الشِّعارات
لِمُناقشة الْجَوْهر. على مدى خمسة عشر عامًا والإطار الْمُحيط
بِالعمل السِّياسيّ إطار عسكريّ وعُنفِيّ، ولِهذا، فكُلُّ أسْماء
الَّذين حاوَلوا إنقاذ الوَضع، أو دفعه إلى التَّدهور، اقترنت
بِأعمال عسكريَّة، ولَو بِدرجات مُتفاوِتة. ولِهذه الْمسألة
علاقة بِالإعلام، وبِرغبة الْمَعنيِّين في تَوظيف اللُّعبة
الإعلاميَّة، وبِقُدرتِهم أحيانًا. ولُنأخُذ أحداث "إهدن"
(1978)، والَّتي كان اسْمي أوَّل الأَسْماء الَّتي ظهرت بعدها.
في هذه الأَحداث كان هناك عدد غير قليل من العسكريِّين
والسِّياسيِّين الْمَعنيِّين بِها. بعضُهم أعلى منِّي رُتبة
ومَوْقعًا، وآخرون مِثلي، وقسم أدنَى منِّي. لكن لِماذا لَم
يَبقَ إلاَّ اسْمي من تلك الأَحداث؟ السَّبب بسيط جدًّا، فكُلُّ
الْمَعنِيِّين بِالعمليَّة جرَّبوا بعدها، بِشكل أو بِآخر، أن
يُبَرِّروا حالَهم، وأن يُظهِروا أنفُسهم في صورة الأَبرياء، وأن
يَغسلوا أيْديَهم. في حين أنَّ كثيرين منهُم كانوا سبب القرار.
في الْمُقابل، أنا لا أُسجِّل على نَفسي سُلوكًا من هذا النَّوع،
ولا أَسْمح لِنَفسي بِمثل هذه الصَّغائر. أحداث كُنَّا فيها،
وبِغضِّ النَّظر عن الصَّواب أو الْخطأ، وعن حُسن النِّيَّة أو
سوء النِّيَّة، لقد كُنَّا هناك. لا يَجوز مثل هذا التَّهرُّب.
على الأَقلّ، رحمة بِمَن قُتِلوا مَعنا، وتَعذَّبوا مَعنا.
أُفضِّل ألف مرَّة أن يَطولَك التَّجنِّي بِسبب وفائك لِدماء
رُفقائك، من أن تَحصل على شهادة حُسن سُلوك لأنَّك تَبرَّأت من
دمهم. وأيَّة مِصداقيَّة تَبقى لِمَن يَنكُر قرارًا اتَّخذه
ويَتخلَّى عن مُقاتل أَرسله؟ رُبَّما تَنجح هذه الألاعيب لِبعض
الوَقت، لكنَّها لا تَنجح كُلَّ الوَقت. من الْمُعيب أن يَصل
الْجُبن إلى هذا الْحَدّ، وأن يُجرِّب كُلُّ واحد أن يُدافع عن
مصلحته أو صورته. في مِثل هذه الشَّدائد يُمتحن الرِّجال،
وتُمتحن القِيَم الَّتي يَحملونَها، ومدى التِزامهُم بِهذهِ
القِيَم. أذكرُ جيِّدًا كثيرين كانوا يُسَوِّقون عن أَنفُسهم
صورة الْحمائِم، وكأنَّ لا علاقة لَهُم من قريب أو بعيد بِما
جرى. بعضُهم حاوَل استِدرار عطف سليمان فرنْجيَّة، أو الآخرين
ذوي العلاقة بِأحداث "إهدن". كثيرون غسلوا أيديَهُم مِثل يوضاس،
وحاوَلوا تَبييض صفحتهم.
بصراحة أنا
لستُ من هذه الْمدرسة. لقد كنتُ هناك، وأعتبر أنَّه من الْجُبن
ومن قِلَّة الإيْمان والالتِزام أن يَقوم الْمرء بِعمل ثُمَّ
يُنكر ويُجرِّب أن يُغطِّيَ العمل الَّذي قام به. لَم أفعل هذا
رُغم وُجود مَن هُم أعلى رُتبة مِنّي، وبِكثير.
مِثال آخر على ذلك. سَمير
جعجع هو أقلّ شخص له علاقة بِـ"حرب الْجبل"، وأقول أقلّ شخص على
أرض الْجُمهوريَّة. ماذا حصل؟ دارت الأَحداث ودارت، ثُمَّ بدا
وكأنِّي أنا الْمَسؤول عمَّا حدث في الْجبل. ولأنَّ وَقت تَسمية
الأَشياء بِأسْمائها قد حان، أقول: لقد كنتُ أوَّل مَن عارض
صُعود "القُوَّات" والكتائب إلى الْجبل. أكبر الْمُعارضين كنتُ
أنا. أمَّا لِماذا كنتُ أوَّل الْمُعارضين، ثُمَّ صعدتُ إلى
الْجبلِ؟ فالْمسألة مُختلفة. عندما كان القرار سِياسيًّا، كان
رأيي أن لا نَصعد إلى الْجبل. ولكن عندما صعدت القُوَّات
والكتائب، وحدث ما حدث، كان لا بُدَّ من أن يكون لدى الْمرء
الْحدّ الأَدنَى من الوَطنيَّة، والْحدّ الأَدنَى من الاِلتِزام
بِرفاقه، وبالنَّاس، وبِالأَحداث. وسواء أكان القرار صحيحًا أم
غير صحيح، فقد بدأت الأَحداث.
ومن هذا الْمُنطلَق
سارعْنا لِنَرى كيف يُمكن استِدراكها، والْحدُّ من الْخسائر.
لا أقولُ أنَّنِي كنتُ
ضدَّ الصُّعود إلى الْجبل لأنَّ الوَقت مرَّ على تلك الأَحداث،
بَل لإِظهار الْحقائق، ولأنَّ هذا الْمَوضوع أُثير مرَّات
ومرَّات. عندما وقعت أحداث الْجبل، لَم أكُن سوى مَسؤول عسكريّ
عن قِطاع الشَّمال في "القُوَّات". كان هناك رئيس لِلجُمهوريَّة
(أمين الْجميِّل)، وقائد لِلجَيش من جهة، وقائد لِلقُوَّات،
ومَجلس قيادة لَها، وجِهاز أمن واستِخبارات، وهيئة أركان من جهة
أُخرى. كان بعد كُلِّ هؤلاء يأتِي مَوقعي في سُلَّم "القُوَّات"،
وكمَسؤول عسكريّ فَرعِيّ في الشَّمال. ومرَّة جديدة لَم أُحاوِل
أن أتنكَّر لِدماء مَن سقطوا. لَم أُحاوِل أن أُبرِّر ما فعلتُ،
لأنِّي لا أعتقدُ أنَّنِي أضرمتُ الْحرب، أو ارتكبتُ خطأً، أو
أنَّنِي أَشعرُ بِالْخجل مِمَّا فعلتُ. لستُ من قماشة الَّذين
يُفكِّرون بِالنَّجاة بِأنفُسِهم، أو بِتَحسين صورتِهم على حِساب
كُلِّ شيءٍ آخر. أصحاب هذا الأُسلوب لا يَستحقُّون الْمُشاركة في
صُنع القرارات أو الْمصائر. لقد فوجئتُ فعلاً، وعَبر هذه
السِّلسلة الطَّويلة من الأَحداث، من "إهدن" إلى "الْجبل" إلى
"شرق صيدا والإقليم" إلى "انتِفاضة 12 آذار" وإسقاط الاِتِّفاق
الثُّلاثِيّ، و"حرب التَّحرير"، و"حرب إلغاء القُوَّات".
فوجئتُ بِأنَّ الْهمّ
الرَّئيسيّ لِكبار الْمَسؤولين هو تَبرير أنفُسِهم، وإلقاء تَبعة
الأَحداث على الآخرين.
ماذا حصل بعد حرب الْجبل؟
لَم يُحاوِل الْمَسؤولون إنقاذ ما تبقَّى منه، أو إعادة
الْمُهجَّرين إليه، وهما ما كُنَّا نُحاوِلُ القِيامَ بِهما. لقد
أَمضَوا مُعظم الوَقت يُخطِّطون لِتَحميلنا مَسؤوليَّة تُهمة
الْجبل، أو جريْمة الْجبل. فنَّانون في التَّهرُّب والتَّنصُّل.
ورُبَّما كانت هذه مَوهبتهم الوَحيدة. لَم أَتحدَّث سابِقًا عن
هذه الأَشياء، لكن هذه الْمرَّة سأَحكي. أَعتقدُ أنَّ الوَقت حان
لِدَحض الأَكاذيب، وتَصحيح الرِّوايات. وما سأقوله ليس مُجرَّد
رِواية، بَل هناك ما يُثبته، وفي الْمَجلس الْحربِيّ محاضِر
تَشهد على ذلك.
عندما طُرِح مَوضوع
انسِحاب الإسرائليِّين من شرق صيدا والإقليم، عقدتُ عدَّة
اجتِماعات، كان فؤاد أبو ناضر يَترأَّسُها في بعض الأَحيان،
وفادي أفرام مرَّات أُخرى. كان فؤاد يَترأَّسُها بِوَصفه رئيسًا
لِلأركان، ثُمَّ صار لاحِقًا قائدًا لِـ"القُوَّات". ويَومها
طُرِح موضوع الإقليم بِشكل جِدِّيّ وقُوِيّ. وكان إيلي حبيقة
(رئيس جِهاز الأَمن والاِستِخبارات) يُشاركُ أيضًا، وكان من أكثر
الْمُتحمِّسين لِلبقاء في الإقليم، ولِلحرب. كما كان يُشاركُ
الياس الزَّايك، ونازو نَجاريان، وأسعد سعيد، وسِجعان قزِّي،
وكريْم بقراد |