|
بعد الزلزال الذي عصف باللبنانيين فى
السبعينات والثمانينات من القرن العشرين والذى سبقته منذ عام الاستقلال
1943 حتى اليوم غير هزة على درجات متفاوتة من العمق والعنف. كان
لابد من أن تجوز الأحداث أعماق اللبنانيين حتى الصميم، فتتفتح بصائرهم
على ما كانوا غافلين عنه أو جاهلين إياه أو مدركين له على غير حقيقته
أو هو برز بعد كمون أو استجد من التقاء وقائع وتضافر ظروف معينة ومحددة
فى هذة المرحلة التاريخية من حياتهم.
هذا الإدراك يتفحص حزب القوات اللبنانية
أسباب ما مضى وبفهم ما آلت إليه أوضاع اللبنانيين ويلقي بنظره في
المستقبل، فلا نستغربن بعد ذلك إن تغيرت نهوج وتبدلت منطلقات وتحددت
رؤى متمايزة عن سابقاتها أو مغايرة لها. فضلاً على ما تم في العالم،
إقليميا ودوليا، من مستجدات قلبت موازين وبلبلت توجهات وأخذت تسبغ على
نهاية الألف الثاني للميلاد ما لم يكن يتوقعه أحد.
أولا-
ابعاد القضية اللبنانية إن الهم الرئيسي
الذي طبع تاريخ دولة لبنان الكبير منذ إعلانها في العام 1920، كان ما
يجب عمله ليحل التفاهم بين اللبنانيين، لطغى على ما عداه من مسائل
وقضايا مهما بلغت أهميتها وخطورتها.
وعلى الرغم مما حفلت به
البيانات الوزارية المتعاقبة وبرامج الأحزاب العاملة على أرض لبنان من
آراء واقتراحات حلول، وعلى الرغم من المحاولات الكثيرة والجادة التي
قامت لتبديد شعور الحذر والقلق والغبن عند اللبنانيين، ومن المساعي
الكثيرة التي بذلت لتلافي أي انفجار في ما بينهم، فإن اللاإستقرار كان
السمة البارزة الدائمة للواقع اللبناني، وقد أدى إلى التقاتل والإنفساخ
الداخلي والإنفلاع الوجداني، فانحصرت ٌ القضية اللبنانية ٌ في نطاق
السعي لإيجاد ما يجمع اللبنانيين ويزيل من بينهم فتائل العدائية
والتصادم ويجعل إرادة الخير واحترام الآخر يتغلبان عندهم على السلبيات.
ونحن، اليوم، حيال ما يواجهه اللبنانيون من تحديات، نبحث عن
النظام الأنسب للبنان، مع معرفتنا بأن هذا النظام ليس بحد ذاته سوى
وسيلة. أما الغاية فهي استقرار لبنان واعتباره بلداً لجميع أبنائه
واستقرار اللبنانيين جميعهم فيه أسياداً، أحراراً، كراماً، آمنين. وان
الإدراك الموضوعي المباشر لطبيعة الواقع اللبناني، لا مقاربته
ايديولوجياً، يرسم الواقع الحقيقي لوضعنا من جوانبه وأبعاده كافة
ويستنبط القواعد الضرورية والملائمة لتطوير النظام من خلال دينامية
المجتمع الداخلية، بغية جعل هذا النظام قادراً على تحقيق تلك
الغاية.
ولبلوغ هذا الإدراك وبلورته،
لابد من غوص في أعماق الأصول وسير للأبعاد بتجرد وموضوعية.
فى
التطور التاريخي للمجتمعات الإنسانية، كانت الأحداث المتتالية نتائج
وأسباباً معاً. ومن الأسباب ما هو عميق جوهري وبعيد. ومنها ما هو سطحي
وعرضي ومباشر. فالأسباب العميقة والجوهرية والبعيدة هي التي تسبب
الأحداث أو تجعلها ممكنة الحصول، فيما الأسباب السطحية والعرضية
والمباشرة هي التي تثيرها وتفجرها. والأخذ
بالمباشر والعرضي والسطحي على أنه البعيد والعميق والجوهري أدى ويؤدي
إلى غموض والتباس. ذلك أن بعضهم يعالج الأسباب المباشرة، ومنها
المنظورة والسطحية، متوقفاً عندها وكانها هي الأسباب الحقيقية
المسؤولة. فإذا علاجه خاطئ حتماً، وإذا الفشل حليفه. لأن العمل لبناء
السلام والأمن والإستقرار والوفاق يتطلب اكتشاف الأسباب العميقة
والبعيدة والجوهرية فى التاريخ وفي مسار حياة الشعوب.
لذلك بات
على كل الشعوب أن يعرف ماضيه معرفة صحيحة دقيقة عميقة وواقعية، لا
معرفة أسطورية أو محرفة أو سطحية أو رومانسية، إذا ما أراد هذا الشعب
أن يكون مالكاً زمام أمره، وأن تعود إليه كلمة الفصل فى تقرير مصيره.
وشأن المعرفة السياسية شأن أي معرفة أخرى في أنها وليدة
الإختبار الموضوعي إنطلاقاً من الواقع ومعطياته. وبهاتين الموضوعية
والواقعية يتمكن الاصلاحيون من تفهم حقيقة الواقع المجتمعي، في فئاته
وجماعاته على اختلافها، وحقيقة ما يجول ويضج فى ضمير الشعب وخاطره،
واللتان تظهران وتطفوان على السطح في الأزمات، بنوع خاص، ولا سيما في
الأزمات الكبيرة وبعد كل ما أظهرته هذه الأزمات في لبنان من تأكيد على
حقيقة التعددية التي اتجهت اتجاها صداميا بدل أن تكون توافقية تعاونية،
لم يعد جائزا الإستمرار فى نهج التفكير الماضي الذي أثبتت الأحداث
إخفاقه الذريع.
لذلك ليجزم جزم اليقين بأن ما حصل ويحصل فى
لبنان ليس وليد المصادفة، بل هو ثمرة تواصل من المعطيات التاريخية
المتراكمة وهو دليل على وجود تناقض وخطأ فى النظرة الى الدولة
اللبنانية منذ قيامها وإلي غالية هذه الدولة في إستمرارها.
هذان التناقض والخطأ سببهما اثنان، من دون حصر أو شمولية تجاهل
للحقيقة المجتمعية اللبنانية وخلط بين مفهومي المجتمع والدولة.
فى الأول أن الطائفة حقيقة مجتمعية قائمة
ثابتة، لا عارضة. وهي زمنياً قبل الدولة، شكلاً ونظاماً. ويوم كونت
الطوائف الدولة لم يتم ذلك بهدف إلغاء الطوائف، بل لمزيد من الخير لها
ولتنظيم العلائق وتيسير التعاطي بينها أفراداً وجماعات، وليس العكس.
علماً بأن مهمة الدولة أن تكون التعبير عن تلاقي المواطنين والضامن
لتماسكهم والحافظ لسلمتهم والمسؤول عن الخير العام.
وفي
الثاني، أن المجتمع هو في الأساس مجموعة من الأفراد والجماعات تقوم
بينهم علائق، تكون تعاونية أو تنافسية تصارعية، تنتظم فيه مؤسسات ترعى
سلوكهم وتواكب أنماط عيشهم وتنظم حياتهم على مجموعة من القيم تعارفوا
عليها وارتضوا فعبروا عنها بتقاليد وأعراف وقوانين تبين تراث مجتمعهم
وثقافته.
ولا بد في هذا المجتمع من سلطة، تتمثل في أشخاص
ينتمون إلى نخبته السياسية يقررون الخيارات الأساسية له، ويساعدون على
التنفيذ في الاتجاهات الصحيحة لبلوغ الاهداف المنشودة. وهذه السلطة
اتخذت في المجتمعات الحديثة، ومنها لبنان، شكل الدولة التي تختلف بنية
ونظاما وتنظيما بين مجتمع وآخر.
فالدولة، إذن ليست مرادفة
للمجتمع أو مساوية له. وعليه يكون الوضع الأمثل هو التطابق بين تركيبة
المجتمع في تكوينه وطبيعته وبينة الدولة في مؤسساتها وتنظيمها. ونجاح
أي كيان سياسي يفترض هذه المعادلة، في جملة ما يفترضه.
أما
الذين كانوا مباشرة وراء خلق الدولة اللبنانية الحديثة فقد نقضوا هذه
المعادلة، فجعلوا بنية الدولة اللبنانية وهيكليتها تقومان على خلل في
الأساس. وبدلاً من أن ينطلقوا من الواقع اللبناني المتعدد انتماء ودينا
وثقافة وقيما ومثلا وسلوكا وأن يعتبروا هذه الامور غنى وثروة فيوجدوا
شكل الدولة والنظام السياسي والاجتماعى اللذين يتلاءمان مع هذا النوع
من التركيبات المجتمعية على ما هو حاصل في المجتمعات المتحضرة الحديثة،
انطلقوا من إرادة فوقية تعتبر هذه الفروقات هامشية. وعبثا حاولوا صهرها
في مؤسسة يعبر عنها شكل مركزي لدولة وحدوية عوضا عن الشكل الواقعي
الملائم لها وهو الشكل المركب للدولة الواحدة.
فهل من المعقول
أن، تقوم دولة ويتكامل مجتمعها، ,اساس البناء
قائم على حقيقتين متناقضتين تلغي إحداهما الأخرى؟ هذه المؤسسة المركزية
والوحدوية لم تستطع، منذ البدء وعلى الرغم من كل الإرادات والمحاولات،
أن تلغي الخصوصيات المجتمعية التي برزت بقوة فى جميع عناصر الدولة
ومقوماتها: من الدستور إلى الميثاق الوطني، إلى القوانين إلى التطبيقات
جميعها في المؤسسات الدستورية والسياسية والاجتماعية والتربوية وسواها.
بيد أن هذه المشكلة ليست جديدة بل تعود إلى جذور تاريخية
متأصلة فى تجربة شعوب هذا الشرق ومجتمعاته ومن أهم عناصرها وجود
الأقليات في هذه البقعة من الأرض. وقد بقيت الصراعات قائمة عبر العصور
داخل هذه الأقليات، وبينها وبين الأكثرية الحاكمة، التي كانت مبنية في
معظم حقبات التاريخ، حتي الحرب العالمية الأولى حين ظهرت تدريجياً
الدول المستقلة فى هذه المنطقة، من دون اعتبار للواقع المجتمعي لكل
منها ولتركيبتهه الخاصة والمميزة والمتعددة في معظم الأحيان. وكانت
النتيجة أن تتابعت الصراعات داخل كل دولة، على غرار ما حصل ويحصل فى
لبنان.
إن الخروج من أوهام الماضي وأساطيره وأخطائه يتم
بمقاربة واقعية للحقيقة المجتمعية اللبنانية، وبتبني نتائج هذه
المقاربة من دون عقد، تاركين جانبا ما استوردناه حتى الآن من تحليلات
وحلول ثبت فشلها في هذه المنطقة من العالم.
إن المقاربة
الواقعية، المدعومة بالشواهد التاريخية والتحليل الموضوعي، تبين أن في
لبنان شعورين مختلفين ووعيين للذات مختلفين وردتي فعل مختلفين ونظرتين
مختلفتين إلى الدولة وسيادتها ونوعين مختلفين من المصالح الوجودية
العليا ورؤيتين مختلفتين...
وأيا تكن التبريرات المتناقضة
المعطاة لهذا الواقع والتفسيرات المتعارضة، فإن ما لا يختلف فيه اثنان
هو ان هذه "الثنائية" مع تمايزاتها الطوائفية، حقيقة حاصلة ومحسومة، لا
يمكن أن يتجاهلها أو أن يلغيها من وجدانه إذا أراد أن يبني دولة قابلة
للحياة، مستقرة مستقلة تحقق التآلف بين اللبنانيين.
وهذا
يفترض، أول ما يفترض قيام دولة مركبة فى لبنان تعبر عن البنية
المجتمعية القائمة مع العلم أنه ليس ثمة حل قانوني أو سياسي أو اجتماعي
ثابت جامد دائم نهائي. الحل يبقى ما دامت المعطيات التي أوجدته باقية
فعلينا، إذن أن نعالج اليوم قضايانا إنطلاقاً من المعطيات التي بين
أيدينا، وأن نترك لمن يعدنا أن يعالج قضاياه إنطلاقاً من المعطيات التي
تكون بين يديه، فلا تجميد للتاريخ ولا احتكار له.
ثانيا- قواعد عامة
أساسية: مع إقامة شكل الدولة اللبنانية على أساس مركب يرى
حزبنا أن يعتمد لبنان في نظامه السياسي ثلاث قواعد متكاملة:
الديمقراطية التعددية المركبة، الحرية، التنمية الشاملة.
1- الديمقراطية التعددية
المركبة: إن الديمقراطية المناسبة للدولة اللبنانية إنما هي
الديمقراطية التعددية المركبة وهي نتيجة طبيعية لواقع الحقيقة
المجتمعية اللبنانية.
إن المشاركة في الحياة العامة ينبغي ألا
تكون عبر علاقة مباشرة بين الدولة والمواطن، بل عبر"ٌوسيطات"ٌ تجعل
المشاركة فعالة وذات مردود عال"وسيطات" تصون الفرد، أيضاً، وتحصنه ضد
سلطان الدولة وطغيانها وهما خطران يلازمان الدولة - أي شكل اتخذت - إذا ما
تركت من دون من وما يوازن بينها وبين الفرد، ويعيدها إلى خط مهمتها
القويم كلما انزلقت أو أوشكت أن تنزلق عنه.
تاريخيا، جاهد
البشر كثيرا حتى توصلوا إلى النصوص والمؤسسات التي تحمي ٌ الإنسانـ
الشخص ٌ من ٌ الدولة - السلطة ٌ، منذ عهد
الوحي حتي الدولة الحديثة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتجديدا لهذه
الحماية، استنبطت الديمقراطية الغربية، فى جملة ما استنبطته وسيطات هي
الاحزاب والنقابات والنوادي وسائر الهيئات والأجسام والمؤسسات الأهلية
على الأصعدة المختلفة وفي الحقول المتعددة. وهذا ما يعبر عنه بــ ٌ
التنظيم المؤسسي ٌ.
وفي لبنان، كما في غير منطقة في الشرق حيث
يطل الفرد على دولته من موقعين متلازمين في الوقت نفسه: موقع الفرد
وموقع الجماعة التي ينتمي إليها الفرد بحكم تكونه المجتمعي التربوي
الثقافي، يأخذ الموقع الثاني أهمية وحجماً خاصين.
فعلى الرغم
من أن الموقعين حقيقتان قائمتان ومتلاحمتان في غير انصهار تذويبي، فإن
الموقع الثاني حي وفاعل إلى درجة أنه استوعب ٌ الوسيطات المستنبطة ٌ.
هذا الموقع يسمى عندنا ٌ الطائفة ٌ. وهي تقوم بدور ٌوسيطة ٌ.
إلا أنها ٌوسيطة تاريخية ٌ. وهي بنية صلبة وأساسية وخليوية. وهي ضمن
الثنائية المجتمعية فى لبنان، المؤثر الحقيقي خلف أشكال وعناوين
مختلفة. وقد بلغ تجذرها فى وجودنا حدا أن الحكمة والموقف الموضوعي
وإرادة الاستقرار لاتسمح اليه بإلغاء سياسي لهذا الموقع على نحو قسري
أو اصطناعي أو بنعته بكل شنيعة، أو باعتباره مناقضا للتطور والتقدم أو
حائلا دونهما.
إن الوسيطة التاريخية أو الوسيطة المنبسطة، أو
أي وجود مجتمعي آخر، أو أي تنظيم أو مؤسسة، يمكن أن تكون أداة للخير
العام، أو تنقلب شرا يحسب حسن استعمالها أو سوئه، وبحسب الخط الذي
يسيرها فيه. ولطالما قام فساد وإفساد وتطاول وطعن فى حقوق الإنسان
مارستها الوسيطة الحديثة والمتطورة فى المجتمعات المرسومة بالمتقدمة.
سواء أكان ذلك في الديمقراطيات الغربية أم فى دول المنظومة الاشتراكية،
كما قام عن طريق هذه الوسيطة نفسها فى حالات أخرى خير عميم للأفراد
والجماعات.
من المهم أن يعرف المواطن - والمجتمع - كيف يستخدم
الوسيطة استخداما صالحا وفي خدمة الإنسان. وأن يواكب التغيرات
والمتغيرات ويتكيف معها ويوجهها الإتجاه الإنساني الصحيح، لا أن يفتعل
تقدما وهميا وينغلق في عالم ذهني يعتبر فيه أمانيه وكأنها حقائق قائمة.
فلابد من ترك الفرصة للزمن حتى يفعل فعله، ولابد من مساعدته بتؤدة
وذكاء على تطوير يحترم إيقاع الإنسان وتوازن العوامل في حياته.
والطوائف، فى الواقع الديني -
المجتمعي - الثقافي -
السياسي وتفاعلاته في الشرق، وعلى مر الزمن، ولدت ٌ الطائفية ٌ
فالطائفية هي حال إئتمانية دينية كيانية مجتمعية ثقافية سياسية، قائمة
فى عمق الوجدان الفردي والجماعي. وهي بالتالي، معطى جوهري في الحياة
العامة اللبنانية لا عرضي.
وكان للطائفية مقتضى. وتكون لها مع
الوقت، وبانحراف سلوكي، مدلول سلبي.
المقتضى مجتمعي اجتماعي
سياسي إداري عكس الحقيقة المجتمعية اللبنانية وأوجب المشاركة بين
الطوائف فى سلطات الدولة ومسؤولياتها. فكان النظام الطوائفي اللبناني
على ذلك لا سببا.
أما المدلول السلبي فيعني العصبية الفئوية
الرفضية الاستغلالية، والاقتصار فى الولاء الوطنى على الولاء للطائفة
وحدها، وتقييم الشئون العامة من زاوية مصلحة الطائفة على نحو حصري
واناني وتقوقعي وعدائي. من خلال هذا المدلول نظر مخلصون كثيرون إلى
الطائفية فرأوها بغيضة وخبيثة ومفككة للمجتمع. إلا أن هذا المعنى خروج
على الطائفية وهو يعنى ٌ التعصب الطائفى ٌ ومحاربته واجبة حتما. هذه
المحاربة تتم، إذا ما أخلصت النيات، بالتربية والسمو بالتفكير
وبالتطبيق السليم والشريف للمشاركة، فضلا عن مقتضيات دستورية وقانونية
معينة.
ولابد فى هذا المجال من الإشارة إلى أن قيام الدولة
الوحدوية المركزية فى لبنان أساء كثيرا إلى تطبيق المشاركة الطوائفية
فباتت على الرغم من ضرورتها وخدماتها الجلى، خالية ذات عيوب كثيرة. وقد
أسهم قيام هذه الدولة الوحدوية المركزية إلى حد بعيد فى تعزيز مدلول
الطائفية السلبى وانتشاره. لذا لايعطي الدولة فى لبنان ولا النظام فيها
قيمة إنسانية ووجودا حضاريا ودورا انمائيا إلا شكل مركب للدولة تتطابق
فيه البنية الفوقية (الدولة) مع البنية التحتية (المجتمع) ونظام تتحقق
فيه ديمقراطية مركبة تجعل المشاركة فى الحياة العامة مشاركة صحيحة،
متوازنة وعادلة على كل صعيد. وبذلك يصل اللبنانيون، أفراداً
وطوائف إلى حقوقهم فإلى الشعور بالعدل والاطمئنان.
إن
الديمقراطية المركبة فى دول تكون ديمقراطية توافقية حتما، ديمقراطية
ملائمة الحقيقة الواقع اللبناني وملبية احتياجات اللبنانين. فى مثل هذه
الديمقراطية يكون للفرد دور أساسي وللجماعة التاريخية (الطائفية) دور
أساسي، وللتنظيم المؤسسي دور أساسي. أدوار ثلاثة تتفاعل وتتكامل وتساهم
فى قيام استقرار مجتمعي متين.
2- الحرية إن لبنان والحرية
متلازمان.
فضلا على أن الحرية جزء من تعريف الإنسان بالذات
وتعبير عن مسؤوليته وفي الوقت نفسه نتيجة هذه المسؤولية، وعلى أن
محاولات خنقها الكثيرة فى غير منطقة من العالم، قديما وحديثا، قد باءت
كلها بالفشل، وعلى أنها هم إنساني عام، فإن الحرية فى لبنان ذات خصوصية
ولها مستلزمات كيانية وهي هاجس يخترقنا حتى الأعماق.
ويعود هذا
الهاجس إلى سببين:
الأول خطر الكليانيات (التوتاليناريات) أو
الشبيهة لها.
إن الكليانية مذهب كامل فى الحياة والوجود، يطال
الانسان برمته. وقد تتمايز بعض الكليانيات ببعض الليونة, إلا أن
طبيعتها تتعارض حتى فى حدها الأدنى ومبدأ قيمة الانسان - الشخص ونص الإعلان العالمي لحقوق الانسان وروحه.
وقد تصل فى مداها الاقصى إلى حد أعتبار نفسها المعيار الوحيد لكل فهم
وتفسير وارتقاب، فى الماضى فى الماضي والحاضر والمستقبل. وفي كل حال،
فأن الكليانية على درجاتها، تقود حتما الى نظام سياسي ديكتاتورى وإلى
اللاماواة بين الناس.
وكان شرقنا تهدده مفاهيم كليانية
الايديولوجية القومية وكليانية ايديولوجية الطبقة، وكليانية الحكم
الديني. واذا بدأ أن خطر كليانية الطبقة قد تقلص وابتعد انهيار الأنظمة
الشيوعية فإن الكليانيتين الأخريين باقيتان تقرعان باب حياتنا
المجتمعية - السياسية بقوة وعنف.
والسبب الثاني لهاجسنا الخاص بالحرية هو الهجمات المتواصلة على
قتل الحرية ونفذت عبرها، فساندت الايديولوجيات الكليانية، ونمت إعلاما
ينتمي فى تمويله إلى اصحاب الغايات المتضاربة مع الحرية وقيمة الوجود
اللبناني، وشجعت مبدأ ٌ القولبة التربوية ٌ التي تمس مباشرة الهوية
الخاصة بالمجموعات، مما أوشك أن يقضي على التعددية المتأصلة فى التكوين
اللبناني، وعلى تنوع الثقافات فيه، ويحول بينها وبين ر |